السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قصة شجاعة دوخي الغريبة من بني علي، أهل العوالي:
من القصص الطريفة قصة من قصص بني علي، أهل العوالي، في المدينة المنورة، وهي قصة الفارس الشجاع، الأبيّ، المقدام، دوخي بن محمد الغريبة(1) (الغريبة: على وزن تصغير الغربة أي القربة أو الدلو)، من الغريبات من العبدة، من بني عليّ من قبيلة حرب، من سكان العوالي، وطرافة القصة تكمن في كونه شاباً يافعاً ليس له تجربة في المعارك، ومقارعة الأقران الشجعان بالسيوف، على ظهور الخيل، أو الجيش، ومع ذلك فهو حضري في المدينة المنورة، لم يعش في ظهراني البادية، التي تصنع عادةً الفرسان، وتعوّدهم على الخشونة، والصبر على قساوة الظروف، ومع هذا كله، أبى إلا أن ترعى إبله في الأرض التي تحبها، والتي هي أمرأ المراعي، حتى وأن كان رعيها فيها عرضةً لأخذها، وقتل من يقاتل دونها 0
وتلخص قصة هذا الشاب العلوي الحربي كما يلي:
كان لهذا للشاب الشجاع المعروف دوخي الغريبة، إبلٌ يملكها عن أبائه، وكان راعيها الذي يرعاها، ابن عم له من الغريبات أهل نجد أي الذين هم ضمن قومهم بني علي، من قبيلة حرب، وهم قومٌ معروفين يقال لهم المعاكلة من الغريبات تربطهم بأهل المدينة صلة قريبة، وذات يومٍ قال دوخي الغريبة لراعيه: لماذا الإبل تحن و تتلافت إلى الشمال ؟! قال له الراعي( المعكالي ): إنها تريد مداهلها التي تصدر إليها كل ظمئ في الماضي0
قال دوخي الغريبة: ولِمَ تمنعها من أن تعزب إلى مرعاها في العادة ؟
قال الراعي: لأن العرب منذرون ولا أحد منهم يعزب شمالاً 0
قال دوخي الغريبة: من أي شيء منذرون ؟
قال الراعي: من غزوٍ قادماً إلينا من جهة الشمال 0
قال دوخي الغريبة: أترك الإبل تصدر إلى المكان الذي تريده، ولا تخف أنا سأكون معك هذا الظمئ، على فرسي جنباً0
قال(الراعي): يا دوخي إن طعت شوري لا تعرض نفسك وحلالك للخطر، ولا تظنك أشجع أو أفهم من سائر الناس الذين جعلوا طرشهم يصدر جنوباً خوفاً عليه من الأخيذ0
قال الغريبة: أليست الإبل إبلي، والذي سيواجه الخطر أنا بنفسي ؟
قال الراعي: بلى0
قال الغريبة: إذن أفعل ما قلت لك، ودع الباقي على الله ثم علي0
قال الراعي: وذات يومٍ بينما أنا ودوخي الغريبة نشتوي أرنباً، وإبلنا منتشرةً في الفلاة، فإذا بي أرى جيش الغزو تجري إلى إبلنا وتجمعها بسرعة متجهين فيها إلى الشمال، فقلت: يا دوخي 0 قال دوخي: نعم0 قلت: انظر انظر، ألم أقل لك إن المنذر متأكد من وجود الغزو ؟!
قال دوخي: أخرج الأرنب من النار0
قلت: وش تبي بها (ماذا تريد أن تفعل بها ؟! )
قال: أريد أن نأكلها، خذ نصفها، وأعطني النصف الآخر0
قال الراعي: فأخرجت الأرنب ورميتها إليه كاملة، وقلت خذها كلها كلها أنت، أنا ما ابيها ( أنا لا أريد منها شيئاً )0
قال الراعي: فأخذها دوخي ونصفها نصفين، رمي إليّ نصفاً، وأكل النصف الآخر، وأنا أنظر إليه، وأسخر من فعله، فلما انتهى من أكل الأرنب، ركب فرسه0
وقال لي: المعكالي0 قلت: وش تبي ( ماذا تريد؟! )
قال: من أي جهة أجئهم ؟
قال الراعي، قلت: يا ويلي ويلاه يا الحضري ! أبك من وين ماتبي ( يا ويلتاه من جهلك يا الحضري بالفروسية لا أبا لك إيتهم مِن حيث شئت )(2) 0 فلكز فرسه نحو القوم، فلم يخرج منهم إلا وقد قتل من في طريقه، وهو يعتزي ، ويقول: أبشرن بالفك يحم الذرى، خيالكن وأنا ابن علي0
ولم يكاد يحرف فرسه إليهم ثانيةً إلا وقد فروا القوم شتاتاً، تاركين الإبل، فإذا بالإبل تقف، تنثر الماء
وتدر على أولادها ترضعها، ليس عندها سواء أنا وهو، ولا أعلم لو قال وبعض الجنائز وركائبهم 0
فقلت له: أبك أثرك مصيبة ؟ !
فأبتسم 0
فذهبت وحلبت له ناقةً صعوداً، فلما ذاق حليبها، قال: يا المعكالي!
قلت: نعم0
قال: هذا الحليب أول مرة تحلبه لي، هو حالي وإلا يورّى لي( أهو حالي أم يترآى لي إنه حالي ) ؟ !
قلت: نعم هذا حليب صعود حالي ومن أول تاركه لراسي، وهالحين حلبته لك لأنك تستاهله0 ( نعم حالي لأنه حليب ناقة مصعد، أي قد سقط ولدها قبل تمائمه في بطنها، فكان لبنها حالياً ) 0
قال :لا، يا المعكالي ما عليك زود، وهذا الحليب لك دائم، وتستاهله، وتراك مسامحاً بشربه0
(1)- هذه القصة كانت تروى لي من عدة رواة من رواة بني علي وكل راوي يرويها باسم مختلفٍ عن الآخر، منهم من قال الفارس الذي هو صاحب الإبل، والذي افتلها، اسمه المعكالي من الغريباتـ أهل العوالي في المدينة المنورة، ومنهم من قال: اسمه جزاء الغريبة، ومنهم من قال: دوخي الغريبة0
ةآخر من اتصل بي هاتفياً من المدينة المنورة الأخ/ هادي بن برجس بن باتل الغريبة العبدي العلوي الحربي، وقال لي: إن صاحب هذه القصة هو دوخي الغريبة، والقصة قد جرت منذ حوالي مائتين عامٍ، أما جزاء الذين تروى له هذه القصة فإنه لم يمت إلا حوالي عقدين من الزمن، وكذلك المعاكلة ليس منهم، وإلا هم من الغريبات، ولهم بقية باقية الآن في المدينة0
لهذا فقد قمت برواية هذه القصة باسم صاحبها الحقيقي الفارس دوخي الغريبة من العبدة من ولد مرير من بني علي من قبيلة حرب، والله من وراء القصد 0
كذلك أخبرني هادي بن برجس الغريبة، إن القصة مكتوبة بعنوان " قصة دوخي الغريبة " في هذا المنتدى قسم منتديات شؤون القبيلة - منتدى تأريخ قبيلة حرب وبني علي خاصة، بواسطة الكاتب عناد العلوي، وهي كاملة كما هي بحسب ما نقلت إليهم من آبائهم وجدادهم، وما ينبئك مثل خبير، وأهل مكة أدرى بشعابها 0
(2)- يقول بعض الرواة إن دوخي قال لراعي: من أين تبيني اطلعهم ؟ فقال الراعي: مع الريع هذاك 0 وهذا الكلام لا أعتقد إنه صحيح، لأن النصر من عند الله، والعرب تقول: " الرها شين " أي إعجاب الفارس بشجاعته، وثقته المفرطة بنفسي عادةً تكون له عواقب شينة أي سيئة غير محمودة0 هذا من جهة ومن جهة أخرى سؤال الشاب الشجاع في مكانه، فالطراد يحتاج لخبرة ومهارة، حتى و إن كان عنده ثقة بجراءته وصدق اقدامه،ولديه ذكاء يمكنه التفنن في مهارة الطاردة، فهو لا شك يعلم أن الفائدة من الطراد على ظهور الخيل يرجع لسبق الفرس، فكل ما كانت الفرس سابقاً كان الطراد عليها أكثر جدوى، والسبق طبعاً يتطلب تحديد جهةٍ معينة يكر على القوم، وهو مفر، أي وهو ماضياً بسرعة لا تترك للقوم مجالاً لزرقه برماحهم، لقتل فرسه، أو لقتله، وهذا الأمر طبعاً لا يتسنى إلا إذا أتى عليهم من اليمين متجهاً إلى اليسار، أو من اليسار إلى اليمينن أما لو أتى من الخلف، فلا بد من أن تعرقله الإبل، أو القوم، يقفون أمامه، وأهل الفروسية والشجاعة، وجميع الرجال الذين كانت لهم صولات وجولات، وحققوا فيها كثيراً من الانتصار لم يحمد شجاعتهم، بل يحمدون الله ويرجعون الأمور إلى الحظ، فإذا طاب الحظ تم كل ما يقصده الإنسان، وإذا ساء الحظ، مهما يفعل الإنسان، لا يحصل على ما يريد ولو حصل له منه شيئٌ لما كان له مع الناس أي دور أو قيمة، وما ذلك إلا لسوء الحظ، لهذا كان على الإنسان اياً كان إن يكون اعتماده على الله فوق كل شيئ، وثقته بالله كبيرة، حين ذلك لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، وما للظالمين من نصير0 والذي يدافع دون حاله وحلاله منصوراً بأذن الله 0
مع تحيات الكاتب/ نافل علي الحربي